ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

303

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فلمّا كان الإنسان على الصورة اقتضى أن يكون سريع التغيير كثير الخواطر ، فلا يزال يتقلّب في كل نفس لو ظهرت لرأيت عجبا ؛ لكونه على صورة الأصل وهو كل يوم هو في شأن ، فمن المحال ثبوت العالم زمانين على حالة واحدة ، فلا يزال يتقلّب في كل آن ، يسمّي الخواطر بحكم الأصل الذي كل يوم هو في شأن ، فأصل التغيير من تغيير الأصل الذي يمدّه ، وذلك لّما علمنا أنه الدهر ، وأن صفة الدهر الحول القلب . وفي الحديث الصحيح : « إنه تعالى يتحوّل في الصور فيعرف وينكر » « 1 » . قال الشيخ رضي اللّه عنه : لّما رأيت اختلاف عيني ولم يستقر لي أصل ، فطلبت الإقالة من وجودي .

--> - وبلغنا عن الشيخ محيي الدين رحمه اللّه : أنه كان يقول بإدراك تجلى الإطلاق ذوقا ، وهذا لا يصحّ إلا عند من يقول أن الحق تعالى يقبل حكم كل ممكن من حيث أنه عين الوجود ، بل ولو قيل بذلك لا يتخلّص له إلا عند فنائه ، لا في حال بقائه مع الحق ، وحينئذ فما رأى إطلاق الحق إلا الحق ، فافهم . وإيّاك والغلط ؛ فإنه لا حلول ولا اتحاد ولا يلحق عبد رتبة ربّه أبدا ، ولو صار الحق تعالى سمعه وبصره وجميع قواه فإن الحق تعالى قد أثبت عين العبد معه بالضمير في قوله في الحديث القدسي : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » ، إلى آخر النسق . فإن قيل : إن كلام الحق تعالى قديم ، وقد قال اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الحديد : 4 ] . وهذا يشعر بأنّا معه في الأزل ، كما يقول بذلك الفلاسفة . قلنا : التحقيق أن العالم كله قديم في العلم الإلهي حادث في الظهور . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » . وأجمع المحققون على أن المراد ب ( كان ) الوجود ، لا أنها على صورة ( كان ) التي هي من الأفعال الماضية ، فهو حرف وجوديّ ، لا فعل يطلب الزمان ، كما يتوهمه بعضهم ، حتى أنهم أدرجوا في الحديث : ( وهو الآن على ما عليه كان ) ؛ لتخيلهم أن تصريفها كتصريف الأفعال ، ككان ويكون وكائن ومكون ، فمعنى الحديث : اللّه موجود ولا شيء معه في حضرة ذاته : أي ما ثمّ من وجوده واجب لذاته ، إلا هو وحده . ( 1 ) ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ( 5 / 213 ) ، والمباركفوري في التحفة ( 4 / 424 ) .